إنهذا المستوى من مساءلة المفاهيم، يسعى إلى البحث في تحول السرد في الرواية المصريةالمعاصرة. والرواية المصرية المعاصرة هي جزء من الرواية العربية المعاصرة، تتأثربها وتأخذ منها، وتتطور بتطورها. حيث أنجزت الرواية المعاصرة مقولاتها الحداثية،وعبر هذه المقولات المنجزة يمكن أن نرصد التحولات التي مر بها هذا الجنس الأدبي.وفي هذا السياق يمكن أن نختزل المشهد الروائي في العقود الثلاثة الأخيرة في ثلاثةاتجاهات كبرى. ينزع الاتجاه الأول نزعة تحديثية، ويواصل تحديث تقاليد الجنسالروائي التي بدأت تلوح منذ بداية النصف الثاني للقرن الماضي، عندما ظهرت أعمالنجيب محفوظ التي عرفت بالسرديات الذهنية. “وهو اتجاه يسعى إلى خلخلة أساليبالكتابة السردية التقليدية التي كرست الحبكة واحترمت خطية الزمن إلى حد بعيد،وفسحت المجال لتدخل السارد العالم بالكون وهو يوجه مصائر الشخصيات ويكيف الأحداثلرؤيته العالمة وفاء لواقعية تفرط في إحالتها المرجعية، واتجاه ثان يعتقد أنالواقعية لا تزال قادرة على ابتكار شخصياتها النموذجية”. لقد جاء ذلكبواسطة “إنتاج سرد قوي ومتماسك يستمد طاقته الإبداعية من إعادة طرح إشكاليةالتمثيل والإحالة المرجعية، وهو في ذلك يتمثل راهنية المذهب الواقعي”. إنمفاد ذلك “أن كل مرحلة عظيمة هي مرحلة تحول، وهي مرحلة وحدة وتناقض بين أزمةمن ناحية وتجديد من ناحية أخرى، وبين خراب وولادة جديدة”.

أما الاتجاه الثالث فهو اتجاه الكتابةالسردية التجريبية، فقد ظهر هذا الاتجاه منذ أواسط الستينيات من القرن الماضي،بوصفه حركة فنية واعية بضرورة التجاوز وخوض مغامرة الشكل. إنها تحيد بشكل ظاهر عنالطرق المألوفة لتصوير الواقع، إما في تنظيم عملية السرد وإما في الأسلوب وإما فيكليهما من أجل تكثيف إدراكنا لذلك الواقع أو تغيير ذلك الإدراك. ومع ذلك"يمكن أن نرصد نزعتين ظاهرتين: نزعة أحدثت ما يشبه القطيعة الإبستمولوجية،وهي تدعو إلى تأصيل الجنس الروائي في منظومة الأجناس السردية التراثية، ونزعةانفتحت على التجارب العالمية كما ظهرت في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية. وفيالحالتين أصبحت الكتابة السردية مجالًا واسعًا لاختبار الأشكال الفنية وأساليبالقص الحديثة، ومع ذلك يبدو لنا أن الرواية العربية تشهد منذ نهاية العقد الأخيرمن القرن الماضي تحولًا واضح المعالم. يبدو لنا أن اتجاهًا جديدًا في كتابتها يظهروهو يواجه حركة التجريب"(. وهذا ما تتضح معالمه في عالم الروائية"رضوى عاشور" الروائي، من خلال روايتها الشهيرة “الطنطورية”.

_سردية الانتهاك والاغتراب.

إنه يمكننا أن نطلق على هذا الاتجاه -كمايرى محمد الباردي- “الكلاسيكية الجديدة” في انتظار أن تتضح معالمهالفنية، “ولكنه يبدو لنا كأنه بمثابة ردة فعل قوية على سرديات الحداثةومقولاتها، إذ يعود السرد إلى مقولات الكتابة السردية التقليدية ويلبسها ثوبًاجديدًا لتظهر بمظهر الجدة، إنها سرديات ما بعد الحداثة أو الكتابة السرديةالكلاسيكية الجديدة، كما يحلو لنا أن نسميها”.

إن ما يسميه “محمد الباردي”،بالسرديات “الكلاسيكية الجديدة”، هو ما قد نسميه نحن بـ"الكتابةالسردية الجديدة"، أو “سرديات ما بعد الحداثة”، أو “الكتابةالسردية المعاصرة”، فـ"الكتابة السردية المعاصرة" هي تسمية زمنية،قائمة على التحديد الزمني لوقت كتابتها، وهو الزمن المعاصر، المحدود بأطر زمنية،متفق عليها، أما “سرديات ما بعد الحداثة”، فهي تلك الكتابة السردية التيتفيد من معطيات وأدوات تيار ما بعد الحداثة، وتتبنى وجهة نظره، وتقوم في بنائهاعلى خصائصه، و"الكتابة السردية الجديدة"، فهي تقترب بشكل أو بآخر من التعريفالذي نفهم به ماهية “سرديات ما بعد الحداثة”؛ حيث إنها تجديد في البناءالسردي والشكل الفني، ليس هذا فحسب، بل تجديد يطال طبيعة موضوعاتها، وأفكارها التيتخاطب بها جمهور المتلقين، فهي تتخذ من التشظي والانتهاك والاغتراب والانسحاقوالتهميش والسديم أسسًا لها، وهذه الأسس منها ما هو بنائي فني، ومنها ما هوموضوعاتي، يتعلق بموضوع النص السردي وفكرته، وهذا بالضرورة يطرح تساؤلًا مهمًا:ماذا اعتمدت الكاتبة “رضوى عاشور” من أسس تبنت من خلالها أدوات الكتابةالسردية المعاصرة أو سرديات ما بعد الحداثة أو السرديات الجديدة؟ هل عادت فيكتابتها الروائية إلى تمثل مقولات الكتابة الروائية التقليدية من حيث الشكلوالموضوع؟ يبدو لي الأمر ليس كذلك، ففي أحداث الرواية تتضح ملامح الكتابة الروائيةالموحية والموجهة بشكل أكبر لدى الكاتبة “رضوى عاشور”، التي جاءت لترصدمعاناة الشعب الفلسطيني المأزوم، وذلك خلال الحقبة الزمنية بداية من عام 1947م ماقبل النكبة بعام، وحتى أحداث عام 2000م، حيث تجاوزت الكتابة الروائية الكلاسيكيةشكلًا وموضوعًا، شأنها في ذلك شأن الرواية ما بعد الحداثية المصرية والعربيةمؤخرًا، إن كتابتها السردية جاءت كتابة جديدة ومغايرة، كتب لها الصمود أمام النصالروائي ما بعد الحداثي، والدرس النقدي المعاصر، الذي يستمد مادته من نظريات مابعد الحداثة. كتابة تقف أمام سؤال ثنائية الهوية والوطن، وترصد ملامح التشبث للشعبالفلسطيني المناضل في مقابل الانتهاك والقتل، بل الإبادة والتشريد (الاغتراب /التهجير)، تتعرض لتفاصيل جرائم الاحتلال الإسرائيلي الغاشم، الذي يواجه أصحابالأرض والحق (الشعب الفلسطيني) بكل جبروت وقسوة وظلم، معتمدًا على ترسانتهالعسكرية التي تستخدم أدواتها للقتل والتنكيل والإبادة الجماعية للشعب الفلسطينيالأعزل. تقول:

“كان الخبر الأول الذينبهني هو ما حدث في حيفا في نهاية شهر كانون الأول، إذ حكت إحدى الجارات لأمي عناشتباكات في حيفا بين العمال اليهود والعرب في مصفاة النفط. قالت الجارة: إناليهود ألقوا قنبلة من سيارة مسرعة، فقتلوا منا وجرحوا كثيرين. وقالت: إنه في اليومالتالي مباشرة انقض العمال الفلسطينيون بالعصي والسكاكين على العمال اليهود،وثأروا منهم وقتلوا من قتلوا. وقبل الفجر هجم عسكر اليهود على بلد الشيخ وعلى حيّعلى مشارفها يسكنه عمال في المصفاة من إجزم وعين غزال وقرى أخرى في الناحية معزوجاتهم وأولادهم. دخلوا على الأهالي بالبلطات والسكاكين والقنابل والبنادق،وخلفوا وراءهم الجثث في كل مكان. البعض يقول قتلوا ستين من الأهالي، والبعض يقولإن القتلى مئات”